
استؤنفت الجلسات الأسبوعية للمبلّغين في مجال التبليغ الدولي التابعة لرابطة الحوار الديني للوحدة، حيث عُقد أول اجتماع لها في عام 1405 هـش، وتضمّن تقدیم تقرير عن الأنشطة الإلكترونية للمؤسسة خلال فترة الحرب، ومناقشة المرحلة الثانية من العمل الثقافي في الفضاء الرقمي، وخطة استقطاب وتطویر طلاب العلوم الدينية من ذوي الكفاءات اللغوية، إلى جانب بحث سبل تطوير العمل التبليغي الدولي والتعريف بمجمع الخيرين الداعمين له.
وخلال الجلسة ألقى السيد المغربي كلمة تناول فيها أبرز التحولات الراهنة على المستويين الإقليمي والحضاري، وجاء في نص كلمته ما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
متباركين بهذا اليوم السعيد، ذكرى زواج النورين أمير المؤمنين الإمام علي(ع) وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(س)، وهي مناسبة مباركة نستحضر فيها معاني الإيمان والولاية والأسرة الصالحة.
أولاً: التحولات العالمية وسقوط الهيمنة الغربية
- الصراع الراهن: أبعد من المواجهة العسكرية
ما نعيشه اليوم ليس مجرد صراع عسكري يُقاس بالموازين العسكرية التقليدية، وليس قصة بطولية أو ملحمية فحسب بين قوى العدوان المتمثلة في أمريكا والكيان الصهيوني وحلفائهما من الغرب وبعض الأنظمة العربية. فهذه المواجهة، رغم أهميتها العسكرية وتأثيرها في رسم المشهد الإقليمي وتغيير معادلات المنطقة، تحمل في عمقها أبعاداً حضارية وثقافية أكبر بكثير.
- غزة وكشف حقيقة الغرب
بدأت ملامح هذا التحول الحضاري مع ما جرى في غزة، حين انكشف الغرب أمام شعوب العالم بوصفه شريكاً في جريمة الإبادة التي استهدفت شعباً يطالب بحريته وحقه في التحرر. كما أن الحروب والاعتداءات التي وقعت أثناء فترات التفاوض، سواء في حرب الاثني عشر يوماً أو غيرها، أظهرت أن القوى التي تدّعي قيادة العالم تتصرف خارج الأطر القانونية والأخلاقية والدولية.
- فرصة صعود الحضارة الإسلامية
في مقابل تراجع النموذج الغربي، تبرز فرصة تاريخية لصعود الحضارة الإسلامية. فالحضارات لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، وإنما على منظومة القيم والأخلاق والعمق الإنساني والثقافي. ومن هنا فإن إيران ومحور المقاومة يمتلكان فرصة استثنائية لإبراز هذه الأبعاد الحضارية أمام العالم.
ثانياً: الجمهورية الإسلامية الإيرانية كنموذج حضاري
- سرّ الصمود الإيراني
تتساءل الشعوب اليوم: ما حقيقة إيران؟ وما سر هذه القدرة على الصمود والمواجهة؟ لماذا لا تستسلم ولا تتراجع رغم الضغوط الهائلة؟ ولماذا لا تشهد انقسامات داخلية حادة كما يحدث في دول أخرى؟
هذه الأسئلة تكشف أن وراء الموقف السياسي والعسكري عمقاً ثقافياً وحضارياً، وهو ما يدفع كثيراً من الشعوب إلى البحث عن حقيقة هذا النموذج.
- مسؤولية العلماء والمثقفين
في هذه المرحلة تبرز مسؤولية المبلغين والمثقفين والمهتمين بالشأن الإيراني في تقديم الإجابات الصحيحة، وإبراز الأبعاد الأخلاقية والثقافية والإنسانية للتجربة الإيرانية، وتوضيح أسباب القوة والثبات التي أظهرتها الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية.
- الثورة الإسلامية ورسالتها الحضارية
عند مراجعة تجربة الثورة الإسلامية نجد أنها منذ انطلاقتها حملت أبعاداً تتجاوز حدود إيران، وتتجه نحو مشروع العدالة الإلهية وخدمة الإنسان. ويظهر ذلك بوضوح في مقدمة الدستور الإيراني التي تحمل مضامين فكرية وثقافية وحضارية عميقة، إلا أن ظروف العقود الماضية من حصار إعلامي وتشويه متعمد وحروب مفروضة لم تسمح لكثير من الشعوب باكتشاف حقيقة هذه التجربة.
أما اليوم، وفي ظل ثورة المعلومات والاتصالات، أصبحت الفرصة أكبر لتعريف العالم بهذه التجربة الحضارية.
ثالثاً: المغرب بين التاريخ والواقع المعاصر
- الجذور التاريخية للمغرب
يُعد المغرب الأقصى أحد أهم بلدان الغرب الإسلامي، وقد تميز تاريخياً بارتباطه بأهل البيت(ع). فبعد واقعة فخ، قدم المولى إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى إلى المغرب، فالتفت حوله القبائل الأمازيغية وبايعته، لتنشأ الدولة الإدريسية بوصفها أول دولة مستقلة في المغرب.
ثم تعاقبت الدول ذات الانتساب الحسني الشريف، مثل الدولة السعدية والدولة العلوية التي ما زالت تحكم المغرب حتى اليوم، ويُعرف رسمياً باسم “المملكة المغربية العلوية الشريفة”.
- التيارات الفكرية والإسلامية
تمثل الحركة الإسلامية المتأثرة بفكر الإخوان المسلمين التيار الأوسع حضوراً في الساحة المغربية، وهي حركة معتدلة وغير مذهبية. أما التيار السلفي فقد دخل المغرب منذ سبعينيات القرن الماضي، لكنه بقي محدود التأثير مقارنة ببعض الدول العربية الأخرى.
كما شهدت الساحة الإسلامية انقساماً تجاه الثورة الإسلامية الإيرانية؛ إذ أيدتها بعض الحركات الإسلامية منذ بداياتها، بينما تأثرت بعض الاتجاهات الأخرى بخطابات تحذيرية ركزت على إثارة المخاوف المذهبية والطائفية.
- العلاقات التاريخية مع إيران
عرف التاريخ نوعاً من التواصل والتعاون بين الدولة الصفوية في إيران وبعض الدول المغربية، كما أن المغرب ظل يحمل رصيداً تاريخياً وثقافياً خاصاً يربطه بالشرق الإسلامي وبقضايا الأمة الكبرى.
رابعاً: الموقف المغربي من إيران والقضية الفلسطينية
- الموقف الشعبي والسياسي
على المستوى الشعبي، يعبّر المغاربة ـ كما سائر الشعوب العربية والإسلامية ـ عن دعم واسع لإيران في مواجهتها مع الكيان الصهيوني، ويعتبر كثيرون أن الضربات التي تستهدف العمق الصهيوني تمثل مصدر ارتياح وفرح في الشارع العربي.
أما سياسياً، فقد أبدت شخصيات وأحزاب إسلامية ويسارية مواقف داعمة لإيران، خاصة في إطار مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية.
- الخلافات والاتهامات السياسية
في المقابل، تستند بعض الجهات المعارضة لإيران إلى ملف الصحراء الغربية، حيث سبق للمغرب أن قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران على خلفية اتهامات تتعلق بدعم جبهة البوليساريو. غير أن كثيراً من القوى السياسية المغربية ترى أن هذه الاتهامات لم تُقدَّم بشأنها أدلة حاسمة.
- القضية الفلسطينية ومركزية الصراع
تبقى القضية الفلسطينية العامل الأهم في تشكيل المواقف الشعبية. فالدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية عزز من حضور إيران الإيجابي في وجدان قطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية، ومنها الشعب المغربي.
خامساً: التحديات المستقبلية ومسؤولية النخب
- خطر النفوذ الصهيوني والتطبيع
من أبرز التحديات التي تواجه المغرب اليوم تنامي العلاقات السياسية والأمنية والعسكرية مع الكيان الصهيوني. ويرى كثير من المراقبين أن هذا النفوذ يمثل تحدياً استراتيجياً كبيراً، خصوصاً في ظل مسار التطبيع المتصاعد.
- تشكل نظام عالمي جديد
العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها الهيمنة الأمريكية تدريجياً، بينما تبرز قوى دولية وإقليمية جديدة مثل الصين وروسيا والهند وإيران. وهذا التحول لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يشمل المجال الفكري والثقافي والحضاري أيضاً.
- مسؤولية تقديم النموذج الإيراني
تتطلع الشعوب اليوم إلى نماذج ناجحة في الاستقلال والتنمية والتقدم العلمي. ومن هنا تبرز مسؤولية الطلاب والمثقفين والباحثين المقيمين في إيران وغيرهم في نقل صورة واقعية عن التجربة الإيرانية، سواء في مجالات التعليم والبحث العلمي أو في الجوانب الثقافية والفنية والعمرانية والاجتماعية.
إن الشعوب العربية والإسلامية بحاجة إلى نماذج ملهمة، وكثير من هذه الشعوب بات يتساءل: لماذا لا نستطيع أن نحقق ما حققته إيران رغم الحصار والعقوبات؟ ومن هنا تبرز أهمية التعريف الصحيح بهذه التجربة وإبراز عناصر قوتها وإنجازاتها الحضارية.
والحمد لله رب العالمين.


